أبو نصر الفارابي

101

فصول منتزعة

أن يفعل الأفعال التي هي جميلة في بادي الرأي المشترك عند الجميع . فلذلك هو أحرى أن تصدّه عادته عن أن تكون أفعاله موافقة لما هو جميل في الحقيقة . والذي أفعاله التي قد اعتادها موافقة لما هو جميل في بادي الرأي المشترك عند الجميع لا تصدّه عادته عن أن يتعلّم العلوم النظريّة ولا أن تصير أفعاله موافقة لما هو في الحقيقة جميل إذ كان بادي الرأي يلزمه أن يفعل [ في الحقيقة ما هو واجب ] « 1 » فعله أكثر من أن يفعل ما هو في بادي الرأي رأي لم يتعقّب ، وما هو في الحقيقة رأي هو رأي قد تعقّب وصحّح بعد التعقّب . وبادي الرأي يوجب أن الرأي المتعقّب هو أصحّ من بادي الرأي . [ 99 ] فصل . ومن كلام أبي نصر أيضا رحمة اللّه عليه : الاجتماع على الفضيلة لا يقع فيه تباين أصلا ولا تفاسد لأنّ الغرض في الفضيلة واحد هو الخير الذي يراد لنفسه لا لشيء آخر غيره . فإذا كانت الشهوة من الاثنين والقصد منهما إنّما هو لذلك الغرض الذي هو الخير بعينه ، فطريقهما إليه واحد ومحبّتهما للشيء بعينه واحدة . فلا يتفاسدان أبدا ما دام غرضهما واحدا . وإنّما يقع التفاسد باختلاف الشهوات وتباين الأغراض ، فيكون حينئذ هو التصرّف الذي لا اجتماع معه . لأنّ كلّ واحد / غرضه غير غرض الآخر وطريقته غير طريقته . وهي مع قياسها أيضا فاسدة وشرّ ليست خيرا كالغرض الأوّل والاجتماع الأوّل على طلب الحق وبلوغ السعادة ومحبّة العلم والأشياء الفاضلة . والاجتماع الثاني هو الاجتماع على التكسّب والتعاضد في التجارات والمعاملات لأنّ كل واحد من المتعاملين والشريكين يريد أن يسلب صاحبه نصيبه ليتوفّر عليه ، وكذلك صاحبه أيضا يريد منه ذلك ويعتقد فيه فيكون حينئذ التباين . والاثنان الأوّلان ليس يجتمعان على شيء خارج عن نفوسهما ولا على شيء يحتاج إليه في غيره ولا يكون وصلة إلى سواه . فلا يقع بينهما تباين البتّة ما دام غرضهما واحدا كما لا يقع بين هذين الآخرين اجتماع البتّة ما دام غرضهما متباينا . وأيضا فانّ الحقّ هو الغرض المقصود في كلّ شيء وكذلك الخير والفضيلة ، فالطّالبان الحقّ قد وقفا على مطلوبهما وعلماه فليس يختلفان فيه - وغير الحقّ والفضيلة هو الطريق الذي لا يسلك عليه ، فإذا سلكه الإنسان ضلّ وتحيّر - ولم يقعا على غرضهما فتباينا لاختلاف غرضهما وأنّهما قد سلكا غير الطريق الذي يؤدّي إلى مطلوبهما وإن كانا لا يعلمانه ، لأنّ في النفس طلب الحقّ طبعا وإن كانت تقصّر عنه . ألا ترى أنّك لو قدّرت كلّ واحد منهما بفضيلة الحقّ والعلم لكان مقرّا بها عالما بها وإن كان لا يستعملها لنقصه والعوارض اللاحقة له .

--> ( 1 ) . ما هو في الحقيقة جميل وواجب - أنظر نسخة دنلوب .